إرث آل ينفع العمراني يحول القرية إلى وجهة سياحية وثقافية

شارك المقال اذا اعجبك

تُعدّ قرية آل ينفع التراثية، الواقعة في مركز تمنية على بُعد نحو 40 كيلومتراً جنوب غرب مدينة أبها، إحدى أبرز الوجهات السياحية والثقافية في منطقة عسير، بما تحتضنه من إرث حضاري يمتد لأكثر من ثلاثة آلاف عام، وطراز عمراني متفرد يجسد أصالة البناء التقليدي، ويعكس أنماط الحياة الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها المنطقة عبر العصور.

وأوضح الباحث في التراث العمراني علي سعيد الشهراني، في حديثه لوكالة الأنباء السعودية (واس)، أن القرية تمثل نموذجاً متكاملاً للعمارة التقليدية، بما تضمه من مبانٍ حجرية متعددة الأدوار، ومسارات وساحات تاريخية تحكي جانباً من أنماط الحياة التي عاشها الأهالي عبر عقود، مشيراً إلى أن توظيف الحجر الطبيعي والأخشاب المحلية في البناء أسهم في الحفاظ على الطابع المعماري الأصيل للقرية.

وكشف الشهراني أن مسمى “آل ينفع” يعود إلى مصطلح “النفعة”، وهو من المفردات المتداولة بين أهالي المنطقة، ويجسد قيم التعاون والتكافل والعمل الجماعي، إذ كان الأهالي يتكاتفون في الزراعة وحفر الآبار وبناء البيوت وإقامة المدرجات الزراعية وحصاد المحاصيل، حتى أصبحت “النفعة” نهجاً اجتماعياً متوارثاً استمدت منه القرية اسمها.

وأشار إلى أن تاريخ القرية يعود إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام وفق دراسة ميدانية أجراها عالم آثار سويدي، تناولت شواهدها الأثرية من أحافير وآبار ومدافن تؤكد قِدم الاستيطان البشري في الموقع. وعُرفت القرية قديماً باسم “وطن آل ينفع” نظراً لكثافتها السكانية التي جعلتها من أكبر التجمعات في المنطقة.

ومن أبرز معالم القرية أكثر من 70 بئراً قديمة حُفرت في الصخور، من بينها سبعة آبار متجاورة منحوتة في الكتل الصخرية، إلى جانب شبكة هندسية متقنة لنقل مياه الآبار والأمطار عبر قنوات أرضية تمر أسفل المنازل وصولاً إلى المدرجات الزراعية على سفوح الجبال، في نموذج يعكس التقدم الهندسي الذي عرفته القرية منذ قرون.

وحققت القرية عبر تاريخها اكتفاءً ذاتياً بفضل وفرة المياه وخصوبة الأراضي، إذ اعتمد الأهالي على زراعة القمح والذرة والبلسن (العدس) وأعلاف الماشية، فيما خُصصت مدافن صخرية تحت الأرض لحفظ الحبوب، أبرزها “بيت الجماعة” الذي كان يمثل مخزوناً غذائياً جماعياً يُستخدم لإكرام الضيوف وإعانة المحتاجين.

وتزخر القرية بمعالم تاريخية يتقدمها الجامع القديم الذي يعود بناؤه -وفق المؤرخين- إلى عام 105هـ، إضافة إلى خمسة مساجد تاريخية أخرى، كما تضم نحو 460 بيتاً وقصراً تراثياً متعدد الأدوار شُيدت من أحجار البيئة والطين والأخشاب المحلية، ومزارع تاريخية تمتد على مساحة تُقدَّر بنحو 120 ألف متر مربع.

وأكد الشهراني أن دعم وتوجيه صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن طلال بن عبدالعزيز، أمير منطقة عسير رئيس هيئة تطويرها، أسهما في تحويل القرية إلى وجهة سياحية وثقافية مميزة من خلال المحافظة على هويتها العمرانية وتوظيف مقوماتها التاريخية، بما يواكب مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تنمية القطاع السياحي.

ويمتد موسم القرية الحالي 68 يوماً حتى 31 أغسطس 2026، ويشمل فعاليات ثقافية وتراثية وتجارب تفاعلية للعائلات والأطفال، إلى جانب العروض الشعبية والحرف اليدوية والأسواق التقليدية. وتتوقع هيئة تطوير منطقة عسير أن تستقطب القرية أكثر من 55 ألف زائر خلال هذا الموسم، في ظل تنامي الإقبال على السياحة التراثية والثقافية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى