انتقاد كويتي لجامعة الدول العربية يعيد طرح مستقبل النظام العربي بصيغته الحالية

تصريح لافت
في مشهد يعكس تحولات عميقة في بنية العمل العربي المشترك، برز تصريح لافت من جراح جابر الأحمد الصباح خلال اجتماع جامعة الدول العربية، أشار فيه إلى أن الجامعة “أثبتت عجزًا واضحًا عن مواكبة التحديات المتسارعة، وعن الاضطلاع بدور مؤثر في صون الأمن العربي”.
ورغم أن التصريح بدا في ظاهره نقدًا مباشرًا للأداء، فإنه في جوهره يعكس مستوى متقدمًا من القلق داخل البيت العربي، خاصة في ظل أزمات متلاحقة كشفت محدودية فاعلية العمل الجماعي العربي، وضعف القدرة على التحرك الموحد في لحظات مفصلية.
أزمة الأداء
لم تعد الانتقادات الموجهة إلى الجامعة العربية جديدة، غير أن حدتها في المرحلة الحالية ترتبط بتعقيدات المشهد الإقليمي، من أزمات ممتدة في عدة دول إلى تصاعد التهديدات الإقليمية وتغير موازين القوى الدولية.
وتتمثل الإشكالية الرئيسية في أن الجامعة، كمنظمة، تعتمد في قراراتها على التوافق بين الدول الأعضاء، ما يجعلها رهينة للاختلافات السياسية وتباين الأولويات، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على فاعليتها وقدرتها على التأثير.
تحركات مرنة
في المقابل، تشير الوقائع إلى أن عددًا من الدول العربية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، بدأت فعليًا في تبني نماذج أكثر مرونة في إدارة ملفاتها الإقليمية.
ويظهر ذلك من خلال بناء تحالفات ثنائية ومتعددة خارج الإطار التقليدي، وتعزيز الأدوار الإقليمية المستقلة، وتسريع وتيرة اتخاذ القرار بعيدًا عن البيروقراطية الجماعية.
ولا يعني هذا التوجه بالضرورة التخلي عن الجامعة العربية، بقدر ما يعكس إعادة تموضع لدورها ضمن منظومة أوسع من أدوات العمل العربي.
الإصلاح والتجاوز
تتراوح الطروحات الحالية بين خيارين، أولهما إصلاح الجامعة من الداخل عبر تطوير آليات اتخاذ القرار وتفعيل دورها التنفيذي، وثانيهما تجاوزها تدريجيًا عبر إنشاء تكتلات أكثر فاعلية وانسجامًا.
وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات حول مستقبل القيادة داخل الجامعة، في ظل الحديث المتكرر عن إمكانية التغيير، رغم استمرار أحمد أبو الغيط في منصبه حتى الآن، وهو ما يعكس أن الأزمة تتجاوز الأشخاص إلى طبيعة الهيكل ذاته.
نظام متعدد
المؤشرات الحالية توحي بأن العالم العربي يتجه نحو نموذج جديد يقوم على تعدد مراكز القرار بدل الاعتماد على إطار مركزي واحد.
ويستند هذا النموذج إلى دور أكبر للدول الأكثر قدرة من حيث الاقتصاد والاستقرار والنفوذ السياسي، مع الاعتماد على تحالفات مرنة تتشكل وفق طبيعة كل ملف.
الخلاصة
لم يعد السؤال المطروح اليوم ما إذا كانت الجامعة العربية قادرة على مواكبة المرحلة، بل ما إذا كان النظام العربي نفسه بصيغته التقليدية لا يزال صالحًا للاستمرار.
ويبدو أن التصريح الكويتي قد لا يكون عابرًا، بل إشارة إلى بداية مرحلة جديدة تتشكل ملامحها بهدوء، وتحمل في طياتها تحولات قد تعيد رسم خريطة العمل العربي في السنوات المقبلة.



