عندما تكون الجرذان أكثر نفعاً من البشر

من قال إن الحلول المعقدة تحتاج إلى تقنيات فائقة أو تكنولوجيا متطورة؟ أحيانًا، يكفي أن ننظر إلى الطبيعة بعين مختلفة لنجد الإجابة التي غابت عن عقول العلماء لسنوات.
خذوا موزمبيق وتنزانيا مثالًا. بلدانا عانيا من كارثتين، كل واحدة منهما كفيلة بإبادة آلاف البشر. الأولى، ألغام أرضية زرعت خلال الحروب، ما زالت مختبئة تحت التراب، تترصد كل خطوة غافلة. والثانية، وباء السل، الذي ما زال يفتك بملايين البشر حول العالم. أمام هذا الواقع القاتم، لم تنتظر الحكومات الأفريقية وصول طوق نجاة من الدول الكبرى، بل قلبت الطاولة، وأوجدت حلاً من حيث لا يتوقع أحد: الجرذان.
نعم، تلك القوارض التي تقفز هربًا عند أول حركة مفاجئة، هي ذاتها التي أصبحت خط الدفاع الأول ضد الألغام والسل. منظمة “أبولو” وجدت أن هذه الجرذان الأفريقية تمتلك حاسة شم خارقة، قادرة على كشف المتفجرات وحتى رصد آثار المرض في عينات اللعاب البشرية. تخيلوا جرذاً صغيرًا يتجول فوق حقل ألغام مساحته 200 متر مربع، ويقوم بمسحه بالكامل خلال 20 دقيقة فقط! بينما يحتاج خبير بشري مزود بجهاز كشف المعادن إلى أيام، هذا إن لم يكن الحقل فخاً قاتلاً له قبل أن ينهي مهمته.
لكن، لنتوقف قليلًا عند الصورة الأوسع. هناك 110 ملايين لغم مبعثر حول العالم، تنتظر لحظة انفجارها. نصف الضحايا تقريبًا من الأطفال. الأرقام لا تكذب: من يموت بسبب الألغام بعد انتهاء الحروب، يفوق من ماتوا أثناء المعارك نفسها!
أما الأغرب، فهو أن البشر، رغم كل التطورات، ما زالوا عاجزين عن حل هذه المعضلة بالكامل، بينما الجرذان – التي لا تمتلك مؤتمرات قمة ولا مختبرات متطورة – أثبتت أنها جزء من الحل. وهذا يعيدنا إلى نقطة بديهية لكننا ننسى تطبيقها غالبًا: الحلول العظيمة لا تحتاج بالضرورة إلى اختراعات خارقة، بل إلى عقول تفكر خارج الصندوق.
وهكذا، مرة أخرى، تبرهن لنا الطبيعة أن الحلول قد تكون أقرب مما نظن، فقط لو تخلينا عن عنادنا البشري واعترفنا أن المعجزات قد تأتي من أصغر المخلوقات، لا من أذكاها.